السيد كمال الحيدري
361
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وإما لعدم وضوحها وهذا الاحتمال هو الأسوأ في حقّهم ، ليس للجهل بها ، وإنما للتعاطي مع أمر يجهلونه ، والذي نراه في المقام هو انتشار صبغة التقليد في التبويب والتدوين ، ولا ريب أنَّ التقليد في ذلك هو من أسوأ ما يقع فيه طلبة العلم فضلًا عن العلماء ، وليس قولنا هذا دعوة للخروج عن التبويبات المعتمدة في العلوم المختلفة ، ولكنّ اعتمادها من غير تحقيق أو لمجرّد التقليد يُفرغ العلم من محتواه الحقيقي ، ومن هنا تفهم حجم الخلَّاقية التي كان يتمتَّع بها أُستاذنا الشهيد الصدر قدّس سرّه في مُعظم تصنيفاته ، فهو لم يرتضِ التقليد في التبويبات الموروثة ، حتى على مُستوى علم أُصول الفقه ، فضلًا عن غيرها ، وهذه الخلَّاقية والإبداع المُلفت للنظر ليس هو منظورنا فيه ، وإنما ما تركه من بناء إبداعي رصين وبُنيويات جديدة تركت آثاراً ملحوظة على مستوى قراءة النصّ ، وهذا الذي يهمُّنا بالضبط ، فإنَّ الهمَّ الأوّل لأعلام القراءة التخصّصية في قراءة النصّ هو الوصول إلى أعلى مستوى من مستويات قراءة النصّ . ولا ريب بأنَّ القراءات الموروثة وإن كانت تُشكِّل رصيداً معرفياً مهماً إلا أنها لا يُمكن أن تكون بأيِّ حالٍ من الأحوال حاكمة على القراءات المعاصرة ، ولا على فهم القارئ المعاصر ، ولا يُمكن أن تكون مقياساً للقراءات المُعاصرة ، لأنها في الأعم الأغلب اعتمدت أو تأثّرت بالسلوك الجمعي من جهة ، ومن جهة أُخرى قد ابتنت على موروث يفتقر إلى التحقيق لاسيَّما فيما يتعلّق بالقرآن وعلومه . ومن جملة تلك الموروثات الغياب شبه الكامل لمُراعاة مدخلية السياق في صياغة النصّ ، أو الفهم المشوَّه للسياق الذي غابت فيه تماماً الرؤية العليا للنصِّ باعتباره بناءً تركيبياً فوق المستوى التركيبي للجملة فضلًا عن الوجود الخاصّ والجزئي للمفردة .